ابن كثير

126

البداية والنهاية

وأن يبعث الدية إلى أهله ، ففعل ذلك ، وكان الزهري يقول : علي بن الحسين أعظم الناس علي منة . وقال سفيان بن عيينة كان علي بن الحسين يقول : لا يقول رجل في رجل من الخير مالا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم ، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة . وذكروا أنه زوج أمه من مولى له وأعتق أمة فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك ، فكتب إليه ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) [ الأحزاب : 22 ] وقد أعتق صفية فتزوجها ، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش . قالوا : وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارا ، فإذا جاء الصيف تصدق بها ، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة ودونها ويتلو قوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) [ الأعراف : 31 ] . ( وقد روي من طرق ذكرها الصولي والجريري وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد ، فطاف بالبيت ، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه ، وقام أهل الشام حوله ، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين ، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما ، وهو في بزة حسنة ، وشكل مليح ، فقال أهل الشام لهشام : من هذا ؟ فقال لا أعرفه - استنقاصا به واحتقارا لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضرا - أنا أعرفه ، فقالوا : ومن هو ؟ فأشار الفرزدق يقول : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم ( 1 ) إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الاسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم بكفه خيزران ريحها عبق * من كف أروع في عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصرها ( 2 ) والخيم والشيم

--> ( 1 ) بعده في ابن الأعثم 5 / 127 وليس البيت في الديوان : هذا حسين رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم ( 2 ) في الديوان : مغارسه ، وفي المقتل لأبي مخنف : أرومته . والنبعة : شجرة صلبة الألياف تتخذ منها القسي ، وكنى بها عن الأصل والأرومة . والخيم : الأصل والشرف .